ينتمي السيق (سيق بالعربية، ⵙⵉⴳ بالتيفيناغ) إلى عائلة ألعاب السباق بعصي النرد، وهي واحدة من أقدم سلالات الألعاب في العالم. أشهر أسلافه، السينيت المصري، يعود إلى 3100 قبل الميلاد — وُجدت ألواح وعصي في مقبرة ميركنيرا في سقارة وفي مقبرة توت عنخ آمون (حوالي 1323 ق.م.). المبدأ الثنائي للعصا — وجه مسطح (مُعلَّم) ووجه محدب (أملس) — يُعد على الأرجح أقدم نظام لتوليد الأرقام العشوائية بعد عظام كاحل الأغنام (الأستراغالي)، المستخدمة منذ الألفية السادسة قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين. لعبة أور الملكية (حوالي 2600 ق.م.)، التي اكتشفها ليونارد وولي في 1926-1928 في المقابر الملكية، استخدمت آلية مماثلة. وهكذا يُخلّد السيق تقليداً لعبياً متواصلاً يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام.
يعود أقدم ذكر مكتوب للسيق إلى عام 1248، حين وصف الشاعر والمسرحي المصري ابن دانيال الموصلي في مسرحياته لخيال الظل (خيال الظلّ) لعبة سباق تستخدم عصي النرد على لوح مرسوم على الأرض. هذه المسرحيات، التي عُرضت في شوارع القاهرة المملوكية، تُقدم شهادة لا تُقدر بثمن عن الحياة اليومية في العصور الوسطى. تُعرف اللعبة بأسماء مختلفة في العالم العربي: «طاب» في مصر والشام، «سيق» في المغرب العربي، «طاب ودقّ» في السودان. كما ذكر المؤرخ المقريزي (1364-1442) ألعاب النرد في أوصافه للحياة الاجتماعية القاهرية. لعبت طرق القوافل عبر الصحراء دوراً رئيسياً في نشر اللعبة بين مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، إذ كان البدو الرحل يحملون معهم هذه التسلية التي لا تحتاج سوى أربع قطع من الخشب وقليل من الرمل.
كان علماء الإثنوغرافيا الاستعماريون الفرنسيون أول من قدم أوصافاً علمية مفصلة للسيق. الجنرال أوجين دوما، في كتابه «Mœurs et coutumes de l'Algérie» (1853)، كان من أوائل من وصف اللعبة في سياق الحياة البدوية الصحراوية. إدموند ديستان، في دراساته «Études sur le dialecte berbère des Beni-Snous» (1907)، وثّق بدقة قواعد ومتغيرات السيق كما كان يُلعب في منطقة وهران. إميل لاوست، في «Mots et choses berbères» (1920)، صنّف الأسماء الإقليمية المختلفة — «سيق» في الأطلس الكبير، «سيك» عند الطوارق، «طاب» في مصر. الأمريكي ستيوارت كولين، في «Games of the Orient» (1895)، أقام مقارنات مع ألعاب السباق الهندية كالباتشيسي. لاحقاً، رسم مؤرخ الألعاب آر.سي. بيل، في «Board and Table Games from Many Civilizations» (1960)، خريطة نسب هذه العائلة بأكملها من ألعاب السباق بعصي النرد، من السينيت القديم إلى المتغيرات المعاصرة في المغرب العربي.
يعتمد نظام التسجيل في السيق على توافقية ثنائية أنيقة. لكل عصا وجهان محتملان (مسطح أو محدب)، وأربع عصي تولّد 2⁴ = 16 توليفة. يتبع التوزيع قانوناً ذا حدين: صفر وجه مسطح (سيد، «السيّد») يظهر باحتمال 1/16 (6.25%) ويمنح 6 نقاط مع حق إعادة اللعب — الرمية الأندر والأقوى. وجه مسطح واحد (سيق، الذي يمنح اللعبة اسمها) احتماله 4/16 (25%) ويمنح نقطة واحدة مع إعادة اللعب. وجهان مسطحان (زوج، 37.5%) يمنحان نقطتين، ثلاثة وجوه مسطحة (تلاتة، 25%) تمنح 3 نقاط — كلتا النتيجتين تُنهيان الدور. أربعة وجوه مسطحة (أربعة، 6.25%) تمنح 4 نقاط مع إعادة اللعب. إجمالاً، لدى اللاعب فرصة 37.5% لإعادة اللعب في كل رمية، مما يخلق لحظات توتر مذهلة حيث يمكن للاعب محظوظ أن يسلسل عدة رميات ويقلب اللعبة بالكامل.
السيق متجذر بعمق في الثقافة البدوية للصحراء والمغرب العربي. عند الطوارق، يُلعب خلال الأمسيات الطويلة تحت النجوم، في المهرجانات الموسمية كالتفسيت (عيد الربيع) والتجمعات بين القبائل. يُرسم اللوح مباشرة في الرمل — إيماءة عابرة تعكس الحياة البدوية ذاتها. القطع هي حصى أو نوى تمر أو أغصان صغيرة، والنرد مصنوع من خشب النخيل أو الأرقان أو الزيتون — أشجار رمزية في المغرب العربي. أكد عالم الأنثروبولوجيا جيريمي كينان، في أبحاثه عن طوارق الهقار (2004)، الوظيفة الاجتماعية للعبة: فهي تجمع الأجيال، وترافق رواية القصص (تينفوسين)، وتعمل كوساطة في التنافسات بين المخيمات. للسيق أيضاً بُعد شبه طقوسي: بعض اللاعبين يتلون صيغاً استرضائية قبل رمي العصي، مستدعين البركة (النعمة الإلهية) للحصول على سيد.
كغيره من الألعاب التقليدية، عانى السيق من منافسة وسائل الترفيه الحديثة والنزوح الريفي في المغرب العربي. في المدن الكبرى، لا يكاد يُرى. ومع ذلك، تبرز مبادرات للحفاظ عليه. نظمت الجزائر بطولات وطنية للألعاب التقليدية حيث يحتل السيق مكانة بارزة، وفاز البلد بأول بطولة مغاربية في هذا التخصص. في المغرب، تدمج الجمعيات الثقافية السيق في ورشات نقل التراث غير المادي، خاصة في مناطق فجيج والراشيدية وزاكورة. في فرنسا، تنظم جمعية «Jeux du Monde» ورشات اكتشاف، ويعرض متحف كي برانلي في باريس ألواح وعصي السيق في مجموعاته. تقديم اللعبة رقمياً — عبر محاكيات على الإنترنت وتطبيقات الهاتف المحمول — يفتح مساراً جديداً لتعريف جمهور عالمي بهذا التقليد الألفي، مع الحفاظ على جوهر لعبة لم تكن تحتاج قديماً سوى أربع قطع من الخشب وقليل من الرمل.